منير سلطان
199
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وهذه الفكرة هي إحدى المعاني التي اعتبرها الباقلاني في جملة وجوه إعجاز القرآن ، وهي المعنى التاسع ، الذي يقول فيه ( إن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرين حرفا وعدد السور التي أفتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة ، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة ، وهو أربعة عشر حرفا ، ليدل بالمذكور على غيره وليعرفوا أنّ هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية وبنوا عليها وجوهها - أقسام نحن ذاكروها - فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة فالمهموسة منها عشرة « 1 » . وليس التقسيم من مبتكرات الباقلاني . وقد تكون الفكرة نفسها في الإعجاز ليست من مبتكراته أيضا - ولكنه مجرد التقاء . الزمخشري والرماني : يقول الدكتور الجويني : يظهر أن عادة الأقدمين في التأليف ، كانت النقل عمن يعجبون به دون أسناده لصاحبه إمّا لشهرة القول عنه ، وإما لأن العلم ملك الجميع يؤخذ منه ما يؤخذ ويترك ما يترك ما دامت الشخصية الناقلة تسيطر على ما تنقل بعلمها ومعرفتها ، ولا تكتفى بتقليد أو نقل فحسب ، ولعل ابن تغرى بردى قد أنصف حين قال : « إن الزمخشري سلك مسلك الرماني ونهج نهجه في التفسير » والحق أن الزمخشري أفاد من تفسير الرماني كما أفاد من تفسير الزجاج « 2 » . ويعرض الدكتور عبد العال مكرم ، قضية الكشاف وجزء عم . ويحققها ثم ينتهى إلى أن الزمخشري لم يستفد فقط بل نقل منه نصوصا بأسرها ، وكان واجب الأمانة العلمية يقتضى بأن يشير إلى ذلك في كتابه « 3 » .
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 44 و 45 . ( 2 ) الدكتور الجويني - منهج الزمخشري - 87 . وتفسير الرماني المشار إليه كان باسم ( التفسير الكبير للرمانى ) ولم يبق منه إلا جزء عم من مقتنيات المكتبة التيمورية بدار الكتب تحت رقم ( 201 ) تفسير . وقد ذكر الدكتور الجويني أن الزمخشري قد أفاد من غير الرماني والزجاج ، وانظر في ذلك - منهج الزمخشري - له - ص 80 إلى 89 . ( 3 ) الدكتور عبد العال سام مكرم - القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية - 225 .